القاضي عبد الجبار الهمذاني
145
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في بيان الطرق إلى هذه المعارف ، وما يتصل بذلك اعلم . . أن إقامة الدليل على ما لا دليل عليه متعذر ، ولا بد فيما هذا حاله من التصادق لأن الحجة فيه إنما تقوم بما يجده المكلف من نفسه ، دون إظهار حجة أو دليل ، فمتى لم يقع فيه التصادق لم يصح بناء الأدلة عليه ، لأنها كالفرع على هذه المعرفة ، فإذا وقع التجاحد فالمناظرة في الأدلة متعذرة / ولهذا الوجه يمنع من المناظرة ، في إثبات العلوم الضرورية ، التي هي أصول الأدلة ، لأن الاستدلال فيها متعذر ، ولأن الواجب فيها التصادق . . يبين ذلك أن الغرض بإيراد الأدلة على الغير أن تهديه للدلالة ، ونعرفه وجهها ، لكي يعرف المدلول ، مما قد حصل العلم له به ، فالغرض حاصل ؛ فما الوجه في إيراد الدلالة فيه ؟ ؛ وهذا يبين أن ما حل هذا المحل لو كان عليه دليل لم يكن لإيراده وجه ؛ لأن ما يلتمس ويطلب بإيراد ذاك ، وبنظره هو حاصل ، بل أزيد منه ، لأن ذلك إذا حصل بالنظر صح تطرق الشبه فيه ، وهو الآن حاصل على وجه لا يصح ذلك فيه . واعلم . . أن نهاية مطلوب أحدنا إذا كلم غيره ، فيما يتصل بالدين ، أن يبلغه مبلغ نفسه في المعرفة بالأمر الّذي يكلمه فيه ، ولا يتم ذلك منه إلا فعله وفعل من يخاطبه ويكلمه ؛ لأنه إن بذل جهده في الاستدلال ، وتعريف الطريقة ، ولم يصادف منه نظرا فيه وتفكرا لم يحصل المقصد ؛ ومتى صادف منه ذلك حصل المراد ، فإذا كان الأمر الّذي يقع فيه التجاحد ، مما العلم به قائم في العقل ، حاصل لهما جميعا فنهاية المراد حاصل ، فلا وجه للمكالمة فيه .